هشام جعيط

349

نشأة المدينة العربية الإسلامية " الكوفة "

وكندة والأزد ؛ ولناحية الشرق ، الأنصار ومزينة وتميم وأسد وعامر ومحارب ؛ ولناحية الغرب قبائل بجيلة وجديلة وجهينة . هذه اللوحة تخالف رواية للبلاذري عن الشعبي ( فتوح ، 276 ) بأن اليمنيين جميعا كانوا لناحية الشرق بين المسجد ونهر الفرات ، وأن النزاريين كانوا إلى الغرب ؛ وهو حديث لا تؤيده دراسة طوبوغرافيا الكوفة ، على نحو ما تظهر من خلال الروايات عن الثورات الكبرى التي حدثت في القرن الأول ه / القرن السابع م . لكن من المؤكد أن تغييرات كثيرة جرت مع تطور الأحداث لتغير وجه الجغرافية القبلية المرسومة في تلك اللوحة : فتميم نزحت مع عبس من الشرق إلى الغرب ؛ ومسألة القبائل الكبيرة كربيعة وبكر وعبد القيس تبقى مطروحة . انتقل قسم كبير من قبيلة بكر إلى البصرة ، وبقي قسم منهم في الكوفة ، كآل ذي الجدّين . أما عبد القيس الذين استقروا أول الأمر في البصرة ، فقد انتقل معظمهم إلى الكوفة في عهد الخليفة علي ليعودوا إلى البصرة مرة أخرى العام 40 ه / 660 م . على أية حال ثمة سمات ميّزت تموضع القبائل في الكوفة : استقرار القسم الأكبر من المقاتلة - وليس قطعا جميع المقاتلة - العرب ، الذين سبق أن قاتلوا جيش الساسانيين ؛ عدم تجانس البنية القبلية ، خلافا لما كانت عليه الحال في البصرة ؛ وجود أكثرية من مضر وقيس ، تكوّنت إما من القبائل البدوية الكبيرة ( تميم ، أسد ) ، وإما من عشائر الحجاز ( ثقيف ، سليم ، جهينة ، مزينة ) ، مع وجود بارز لأقلية يمنية كبيرة لا وجود لها في أماكن أخرى ، حتى إنه يصحّ التساؤل عما إذا لم يكن في الكوفة الأولى أكثرية يمنية تحوّلت في ما بعد إلى أقلية كانت تزداد ضعفا . وقد ذهب بعض الكتّاب المعاصرين إلى حدّ الجزم بأن تخطيط الكوفة صمّم كي تحتضن المدينة هؤلاء المهاجرين البعيدين ، بالإضافة إلى المهاجرين من الحجاز ، أكثر مما صمّم لتستوعب الآخرين ( راجع : Martin Hinds , « Ku ? fan Political alignments » , International Journal of Middle East Studies , II , 1971 , . 346 / 47 ) . وكان للقبائل اليمنية المحض ( حمير ، همدان ، حضرموت ، مذحج ) وجود كثيف فيها ، إلى جانب القبائل الأخرى الحديثة العهد باليمنية ( ولا سيما كندة وبجيلة ، وكذلك طيّ وأزد السّراة ) . وقد غدت قبيلة همدان أكثر عددا من القبائل اليمنية ، وحتى أكبر من القبائل الأخرى ، بالرغم من أن هذه القبيلة لم تكن قديمة الوجود في الكوفة ، كقبائل مذحج وبجيلة وكندة ، بل إنها تكوّنت في معظمها من المهاجرين الجدد الذين وفدوا إليها ( الروادف ) في عهد عثمان وعلي ، وربما في عهد معاوية أيضا . يبقى أن العنصر اليمني سيكون حاسما في